السيد عبد الأعلى السبزواري
155
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
وأما قوله عليه السّلام : « والمؤمن من أخذ دينه عن ربّه » ، فهو كالنتيجة للبيان السابق ، لأن ما كان من اللّه سبحانه وتعالى مبدءا ومسيرا وينتهي إليه ، لا بد لأن يؤخذ منه فقط ، لأن غيره لا يمكنه ذلك عقلا . وأما قوله عليه السّلام : « إن المؤمن يعرف إيمانه في عمله ، وإن الكافر يعرف كفره بإنكاره » ، فهو قضية عقليّة دليلها يستفاد من نفس تصوّرها ، لأنه لو لم يكن العمل والقول مطابقين للمعتقد ، فلا أثر لهما أبدا ، فكلّ من نظر إلى عمله وسرّته حسنته وساءته سيئته ، فهو مؤمن كما تطابق عليه الكتاب والسنّة . وإن الكافر يعرف كفره بإنكاره ، لأن منشأ الكفر - مطلقا - لا بد أن يرجع إلى إنكار التوحيد وجحده . وأما قوله عليه السّلام : « يا أيها الناس دينكم دينكم » ، يعني : الزموا دينكم ثم التزموا به . وهذه الجملة يؤتى بها في مقام التأكيد والتثبيت والتقريب . وأما قوله عليه السّلام : « إن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره . . . إلى آخر الرواية » ، لأن شرط قبول الحسنة الدين والتقوى ، والمفروض عدم تحقّقهما في الكافر . في أسباب النزول للواحدي : « لما ظهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام ، فأبصروا المدينة قال أحدهما لصاحبه : ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله الذي يخرج في آخر الزمان ، فلما دخلا على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله عرفاه بالصفة والنعت ، فقالا له : أنت محمد ؟ قال : نعم ، قالا : وأنت أحمد ، قال : نعم ، قالا : إنا نسألك عن شهادة ، فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك ، فقال لهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : سلاني ، فقالا : أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب اللّه ، فأنزل اللّه تعالى على نبيّه : « شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ » ، فأسلم الرجلان وصدقا برسول اللّه » . أقول : هذا من أحد أسباب نزول الآية الشريفة ، ويمكن أن يكون لها أسباب أخرى .